الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
183
نفحات القرآن
كلما ارتكبت خطيئة بمقتضى الحيثية المظلمة فإنّها تصحو من غفلتها بفعل نور الإيمان وتبدأ بلوم نفسها وتوبيخها . . . ذلك اللّوم الذي يصبح سبيلًا لنيل الكمال ، وهي نفس رفيعة ونموذج مصغّر من مشاهد القيامة والتي تُدعى ب « النفس اللوامة » . وثالثاً النفوس النورانية تماماً ، فكلها « نور وصفاء » فقد تجاوزت النفس اللّوامة إلى مرحلة الاطمئنان والسكينة فجاءها خطاب : « يَاايَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَةُ » وقد أمرت بالرجوع إلى منبع الكمال المطلق بخطاب « ارْجِعِى » فدخلت في روضة عباد اللَّه الصالحين فهي : « رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً » . وقصارى الكلام في تفسير هذه الآية وكيفية دلالتها على المراد هو إنّ هذا التقارن بين القسمين مع الأخذ بنظر الاعتبار فصاحة القرآن وبلاغته لا يمكن أن يكون مصادفة ، بل يجب أن تكون هناك علاقة بين يوم القيامة وبين النفس اللّوامة ، وهذه النسبة هي أنّ كل إنسان ( إن لم تنحرف فطرته بفعل التربية الخاطئة ) له وجدانٌ يؤنبهُ عند ركوب الخطايا ويستحسن فعله للخير . وهذا الوجدان الشخصي الذي هو عبارة عن محكمة صغيرة تستقر في روح الإنسان ، دليل على ضرورة وجود ضمير كبير لهذا العالم العظيم يحاكم ويلوم المجرمين ويعاقبهم ، وما هذا الضمير الكبير إلّايوم القيامة . توضيح المعاد يتجلى في الفطرة إنَّ المسائل الفطرية وإن كانت إدراكية لا استدلالية ، واضحة ومرئية لا مسموعة ، بل يجب على كلّ شخص البحث عنها في أعماقه ليعثر عليها ، ولكن مع ذلك ومن أجل مساعدة الجميع في البحث وسماع صوت الوجدان بسهولة ، ومن أجل قراءة كتاب الفطرة بتأنّي ، وكذلك للحصول على بيان مُقنع للتحدث به أمام المعاندين فإنّ التوضيحات التالية تعتبر ضرورية :